محمد ابراهيم شادي
59
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
ثم يوازن ابن أبي الإصبع من جهة الاستقصاء بين بيت البحتري وبين قوله تعالى : ( أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ) [ البقرة : 266 ] . يقول : إذا نظرت بين بيت البحتري وبين الآية علمت مقدار ما في نظم القرآن من البلاغة وبيّنت أن الإعجاز فيه بالفصاحة ، وذلك أنه سبحانه بعد قوله : ( جنة ) التي لو اقتصر على ذكرها لكان كافيا ، فلم يقف عند ذلك حتى قال في تفسيرها : ( مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ) إذ لفظ الجنة تطلق على أي شجر كان يستر بظل ورقة الأرض ، فإذا قيدها بهذا الوصف كان مصاب صاحبها أعظم ، ثم لم يقف عند ذلك حتى قال سبحانه : ( تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ) متمما لوصفها بذلك ، ثم كمل وصفها بأن قال عز وجل : ( لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) وذلك لما علم سبحانه أن الاقتصار على وصفها بالنخيل والأعناب لا يكون به وصفها كاملا ، فأتى بكل ما يكون في الجنان ليشتد الأسف على إفسادها ، ثم قال في وصف صاحب الجنة ( وَأَصابَهُ الْكِبَرُ ) ثم استقصى المعنى بما يوجب تعظيم المصاب بقوله : ( وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ) ولم يقف عند ذلك حتى وصف الذرية بالضعف ، ثم ذكر استئصال تلك الجنة - التي ليس لهذا الذي أصابه الكبر وليس لذريته الضعفاء غيرها - بالهلاك في أسرع وقت حيث قال : ( فَأَصابَها إِعْصارٌ ) ولم يقتصر على ذكر الإعصار فقال : ( فِيهِ نارٌ ) ثم لم يقف عند ذلك حتى أخبر سبحانه باحتراقها للاحتمال أن تكون النار ضعيفة لا تفي باحتراقها لما فيها من الأنهار ورطوبة الأشجار ، فاحترس عن هذا الاحتمال بقوله : ( فَاحْتَرَقَتْ ) وهذا أحسن استقصاء وقع في كلام وأتمه وأكمله " « 1 » . فابن أبي الإصبع في هذه الموازنة لا يقتحم الخصوصيات المميزة للمعاني ولا يبحث عن الفروق الدقيقة في النظم ، وإنما يكتفي بالموازنة بينهما في استقصاء المعاني ويكتفي بصيغة التفضيل في آخر كلمة قالها : " وهذا أحسن استقصاء وقع
--> ( 1 ) بديع القرآن 249 ، 250 .